حضرموت والجنوب العربي

الإحاطةآخر تحديث : الخميس 8 مارس 2018 - 9:07 صباحًا
حضرموت والجنوب العربي
طه بافضل

لم تنضم السلطنات في حضرموت “القعيطي والكثيري” إلى “اتحاد إمارات الجنوب العربي”، الذي أسسته بريطانيا في الفترة مابين عام 1959م إلى 1967م، حيث وصل عددها قرابة 19 بين سلطنة ومشيخة وإمارة ومستعمرة.

ثمة أسباب عدة كانت وراء رفض الانضمام، لا يسعني الحديث عنها هنا تفصيلاً، لكن يمكن التعريج شيئاً لنتأمل هذه الرقعة الجغرافية من شبه الجزيرة العربية، والتي احتلتها بريطانيا “العظمى” قرابة قرن ونصف من الزمان، هذا الاحتلال كان له سلبياته ولم تختف بالضرورة إيجابياته، فهي واضحة وجليّة في التطور الذي وصلت إليه عدن كمستعمرة للتاج البريطاني مما أوصلها إلى درجة كبيرة من الاهتمام في الحركة العمرانية والتجارية لم تحصل في دول منطقة الجزيرة العربية آنذاك، إذ كان بينها وبينهم مسافات شاسعة من التقدم والتطور.

كسياسة استعمارية، تدرجت في التعامل مع أبناء الجنوب بشتى المعاملات وبدهاء كبير جداً، وخبرة واسعة في إدارة المناطق التي تستعمرها، فأبقت على السلطنات وأيدتها، وساعدتها بالاستشارة العسكرية والإدارية، وكل سلطان بحسب الإمكانات والمقومات الذاتية والمكتسبة التي يحملها، فمنهم من وسّع سلطنته وقوّاها وطوّرها، كما هو الحال في السلطنة القعيطية التي امتدت من ساحل حضرموت إلى مناطق في الوادي، وكذا سلطنة آل فضل في لحج التي اتسعت مطامعها حد السعي لقيام دولتها في الجنوب، ومنهم من أضعفها وجعلها هامشية تتلقط الفتات، وتراوح مكانها دون تطوّر يذكر جعل من البريطانيين الإسراع في تشكيل كيان لهذه السلطنات والمشيخات حتى يسهل عليهم التواصل معها عندما تدقّ ساعة الرحيل وتُسلّم البلد إلى من يرأس هذا الكيان أو التكتل.

حينما اجتمع قادة ما سمي بالجبهة القومية في صنعاء، ثم أعلنت عن نفسها في أغسطس 1963م، سعت بكل ما تملك، إلى إنهاء هذه المسميات، فهي تعدها كما تزعم من مخلفات الاستعمار البريطاني وتوابعه، مع أن “حضرموت” ليست كاتحاد الجنوب العربي، فهي تاريخ موغل في القدم، بل إن في التاريخ ما يثبت امتداد دولة حضرموت الكبرى إلى عدن، لكنهم الثوار هكذا كانوا شباباً أغماراً وجدوا أنفسهم قادة وزعماء في لحظة فارقة من الزمن، يكتنفهم الحماس والشطط والاندفاع، والرغبة الجامحة للتحرر والاستقلال تأثراً بحركة القوميين العرب وحركة الضباط الأحرار المصرية بقيادة جمال عبدالناصر، فما كان من الجبهة القومية إلا الانقضاض على كل مخلفات الاستعمار البريطاني، وكان لها ما أرادت.

فقد شهدت الفترة مابين شهري أغسطس وسبتمر1967م سقوط جلّ السلطنات والمشيخات والإمارات، فانتهى ما يسمى باتحاد الجنوب العربي وانتهت سلطنات حضرموت وأصبحت الجبهة القومية هي الحاكمة الفعلية على الجنوب العربي من عدن إلى المهرة، قد تكون الأحداث الجارية في العالم آنذاك سبباً في الدفع بحركات التحرير إلى إنهاء حقبة الاستعمار بشتى أصنافه، فما كان من بريطانيا إلا اللعب من تحت الطاولة وفوقها بالتمهيد لتسليم الجنوب العربي لقادة الجبهة القومية وإقناع السلاطين والأمراء وعائلاتهم بالرحيل عن البلاد وتسليم السلطة للفاتحين الجدد.

فالمتأمل لحال حضرموت في زمن سلطنتي القعيطي والكثيري وحال اتحاد الجنوب العربي، يجد البون شاسعاً من حيث الحكم والنظام والترتيب لمعاملات الناس في حياتهم اليومية، فما تقوم به خصوصاً السلطنة القعيطية وكذلك الكثيرية من أعمال وما تتبعه من أساليب جعلت التطور الإداري والعلمي والتجاري واضحاً في حياة الناس مقارنة بغيرها من السلطنات والمشيخات، مع الأخذ بعين الاعتبار في الأخير أنها كلها سلطنات تتبع الاحتلال البريطاني منزوعة الحرية الكاملة على أرضها وثروتها ومستقبلها.

وبالتالي، فإن العلاقة بين حضرموت كإقليم يضم المهرة وشبوة وسقطرى من جهة وبين الجنوب العربي من الصعب جداً التفريق بينهما، كأن يقال أن هذا الإقليم حضرموت هو دولة بمفرده أو كمن يرى حضرموت الساحل والوادي فقط هي الدولة، وفي ذلك إضعاف وتقزيم له، وقطع للوشائج والقرابة بين سكان الجنوب العربي الذين يعدّون أكثر قرباً في التعامل والتخاطب من غيرهم من سكان مناطق اليمن خصوصا.

كما أن تاريخ ما قبل الاستعمار البريطاني يعزز هذه النظرية في الترابط الوثيق بين حضرموت ومناطق الجنوب العربي، وهو ما يؤكد ويقوي القول بإعلان دولة في هذه المنطقة العربية المهمة، بناء على فشل الوحدة اليمنية وضرورة تقرير مصير أبناء “جنوب اليمن”؛ فإذا أردنا النزوع للتاريخ فتسمية (دولة حضرموت الاتحادية)، تسمية موغلة في القدم وهي جديرة بالظهور والتفعيل في المحافل الدولية كخيار آخر مع خيار (دولة الجنوب العربي)، فحضرموت اسم يتلألأ في صفحات التاريخ وقد كانت من قبل دولة ومملكة وسلطاناً، بل أظهرت الخرائط الجغرافية السابقة بأن هذه الدولة تمتد بعيداً وتطوي تحتها دولاً اليوم تعد من الدول القوية في منطقة الخليج العربي، وهي أقوى أيضاً من مسمى الجنوب العربي الذي وجدت التسمية حقيقة من الاحتلال البريطاني الذي أقام هذا الاتحاد وأنهاه في نفس الوقت الذي كان يحتل فيه جنوب شبه الجزيرة العربية، ثم رحل..

كما أن أبناء الجنوب يرحبون كثيراً ويحبون هذا الاسم الجميل خلقاً وسلوكاً وثروة ومساحة، فالحضارم وحضرموت اسم محبوب للجميع، ويرونه أهلاً للحكم، والتأمل لطيبتهم وحبهم للنظام والترتيب والخلق الحسن إلا أن هذه الصفات كانت تعمل في غير صالح الحضارم وحضرموت فنهبت ثروة الأرض وترك الناس يتأرجحون بين الهجرة خارج وطنهم أو الجلوس ولعق الفتات من خيرات الأرض والإنسان!!

كلمات دليلية
رابط مختصر
2018-03-08 2018-03-08
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة