للطاعون تاريخ.. لماذا وكيف فتك الوباء بالدولة الأموية؟

الإحاطةآخر تحديث : الثلاثاء 20 فبراير 2018 - 9:31 صباحًا
للطاعون تاريخ.. لماذا وكيف فتك الوباء بالدولة الأموية؟

بيروت – انديرا مطر|

«الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الاموية»، كتاب جديد للباحث المصري أحمد العدوي صدر قبل أيام عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. والباحث حائز شهادة دكتوراه في الأدب من جامعة القاهرة بمرتبة الشرف، ويعمل مدرساً للتاريخ الإسلامي في الجامعة نفسها وأستاذاً مساعداً في كلية الإلهيات في جامعة جناق التركية.

الكتاب الجديد هذا متميز في بابه، لأنه يعالج موضوعاً قلَّ التطرق إليه في التاريخ العربي الإسلامي. فكثرة من المؤرخين كتبوا عن اضمحلال الدولة الأموية وقيام الثوار العباسيين بإسقاطها، وتأسيس دولتهم على أنقاضها. وتناول الباحثون في دراساتهم النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اعتمدتها الدولة الاموية، كما تناولوا العرب والموالي والعصبية والصراعات القبلية، وعرضوا أيضا الثورات والفتن التي اندلعت في العصر الأموي، واشتداد شوكة الخوارج وثورات آل البيت.. الخ. هذه العوامل كلها لا ينكر أحمد العدوي أثرها الأساسي في سقوط الدولة الأموية وانهيارها قبل أن تكمل قرناً واحداً من الزمان. بيد أن دراسته هذه تطمح إلى الوقوف على دور عامل خفي كثيراً ما ظهر كظلٍّ باهت في خلفية التاريخ، ومن ثم قلما انتبه إليه أحد: انه الطاعون، ذلك الوباء الذي يشكل ايقاعاً منتظماً، ضاعت ملامحه في خضم الجلبة التي واكبت قيام الدولة الاموية وانهيارها ولم تروَ قصته بعد. لذا سلط العدوي في دراسته هذه الضوء على جوانب منه جامعاً مادة غزيرة لم يكن جمعها سهلاً على الاطلاق.

إبادة جماعية كان الموت بالطاعون هو الطاقة القصوى للابادة الجماعية التي عرفتها العصور الوسطى على وجه الخصوص. وهذا ما أكده المؤرخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل في مؤلفه الضخم عن المتوسط والعالم المتوسطي في القرن السادس عشر. أي ان ظاهرة الطاعون في المتوسط بقيت منذ عهد الدولة الأموية حتى عهد الدولة العثمانية. وكان رعب الناس منه طوال هذه القرون يماثل رعب الناس اليوم من أسلحة الدمار الشامل. وكانت آثاره على الرغم من خلوّها من التدمير، تتفوق على الآثار التي تخلفها هجمات الشعوب الهمجية على مراكز الحضارة في العصور الوسطى. فالطاعون دأب على اجتثاث البشر من دون رحمة أو تمييز. وكان لجهل الناس بأسباب وطرائق الوقاية منه الدور الأكبر في انتشاره وامتداده إلى مساحات شاسعة. وكثيراً ما رصدت دراسة العدوي ظهوره في أقصى جنوب العراق وامتداده إلى بلاد الشام ومصر وشمال افريقيا، مخلفاً وراءه اختلالات ديموغرافية عظيمة، امتدت آثارها سنوات وسنوات بعد حدوثها.

سهول وانهار وطاعون وما ضاعف من آثار الطاعون أن عرب شبه الجزيرة العربية لم يعرفوه قبل الإسلام، لاسيما في بيئتهم الصحراوية الجافة ذات المناخ الجاف المتطرف، الذي لم يوفر بيئة ملائمة لتكاثر القوارض وهي العامل الرئيسي للحشرات الطفيلية الجالبة للطاعون. لكن الكارثة حلت بالعرب عندما دخلوا مناطق السهول الفيضية في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر فاتحين، واستوطنوا واستطابوا العيش فيها. لكنهم دفعوا الثمن غالياً اذ سرعان ما أكمل الطاعون ذلك المرض المستوطن في تلك البقاع- المحتاج للمستنقعات والمياه لينمو ويفتك بالبشر- إفناء عشائر وقبائل من الفاتحين عن آخرها. واستغرق الأمر نحو أربعة أجيال حتى توارثت أجسادهم الجينات المقاومة للبكتيريا المسببة للطاعون فتساووا مع أهالي تلك البقاع والمستوطنين فيها منذ القدم في مستوى المناعة، فقلت مع بدايات العصر العباسي على نحو ملحوظ تلك المعدلات المذهلة لفتك المرض بالناس.

النمل الأبيض أما الدولة الأموية، فكان قدرها ان تحكم العالم الإسلامي في ذروة فتك ذلك الوباء الخطر بالناس، وخصوصاً في القبائل العربية المهاجرة والمستوطنة حديثا في الأمصار المفتوحة. ويرى الباحث أن الطاعون كان النمل الأبيض في الدولة الأموية فصاحبها المرض المزمن تغالبه حيناً بتشجيع مزيد من القبائل على الهجرة من شبه الجزيرة العربية واليمن الى المناطق الخصبة المنكوبة، أو بتشجيع الناس على الانجاب أو التهجير القسري لشعوب وقبائل من الأمصار المفتوحة. لكن الطاعون غالبا ما كان يعاود الكرة فيغالب الدولة الأموية باختلالات ديموغرافية جديدة.

وتعدّت آثار هذا المرض المتتالية كثيراً نطاق قضايا الحياة والموت والصحة والعلاج. فآثاره الديموغرافية امتدت إلى البنية الاجتماعية والنظم الاقتصادية، بل إلى الاجتهادات الفقهية وأخيرا إلى الحياة السياسية.

الطاعون يحسم المعارك

يذكر الباحث أمثلة على ذلك، منها تغييرات واضحة على صعيد الملكية والإرث والانتفاع بالأرض كان الطاعون سببها المباشر. كما انه كان سبباً في نتائج معارك كبرى في العصر الأموي، حسمها المرض قبل أن يقع منها الاجتياح المظفر للامبراطور جوستينيان الثاني لأرمينيا وأعالي بلاد الشام في خلافة عبدالملك بن مروان. ومنها أيضا المعركة الفاصلة التي وضعت الفصل الختامي للدولة الأموية على ضفاف نهر الزاب، اذ اختار الثوار العباسيون توقيتاً ملائماً لإعلان ثورتهم عقب «طاعون غراب» الذي وقع في العراق والشام في العام 747 م. وامتد إلى مصر وافريقيا. في التحليل الأخير: من شأن فهمنا دور الطاعون في العصر الاموي أن يظهر تفاصيل تاريخية ربما كانت ضبابية وغامضة ومشوشة في ما مضى. ففي ضوء الطاعون وآثاره الديموغرافية نصبح أكثر تفهماً لبعض سياسات الدولة الأموية: فرض عقوبة القتل على المتخلفين عن الخروج في البعثات، واللجوء الى تجنيد الأطفال، وجباية الجزية ممن أسلم من أهل الذمة، والأمر بإعادة تسجيل الأطفال في الديوان، وفرض العطاء لهم. وكذلك إعادة الفلاحين من القرى والمناطق الموبوءة ووشمهم بأسماء قراهم وتحويلهم إلى أقنان. هذا ويفسر لنا الطاعون أهداف سياسة التهجير القسري التي اتبعتها الدولة الاموية مع قبائل الزنج وتوطينهم في بلاد ما بين النهرين.

تندرج هذه الدراسة في اطار الدراسات الديموغرافية التاريخية. وهو حقل مهمش ومهمل من الباحثين والدارسين في التاريخ الإسلامي. واللافت ان احمد العدوي في هذا الكتاب، الذي لا تتجاوز صفحاته الـ 150، حشد الكثير من المصادر والمراجع التراثية العربية والإسلامية لانجاز هذا البحث.

المصدر - القبس الكويتية
رابط مختصر
2018-02-20 2018-02-20
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة