تفكيك العقل الجنوبي السياسي

الإحاطةآخر تحديث : الثلاثاء 9 يناير 2018 - 9:35 صباحًا
تفكيك العقل الجنوبي السياسي
سالم باوادي

نقصد بالتفكيك على أنه جزء من عملية التحليل , وهي مهارة عقلية, تتجسد في قدرة الباحث على تفكيك المادة إلى مكوناتها الجزئية, يشمل تفكيك المواقف والعلاقات , المبادئ , والعمليات المعقدة. إذ يختلف الأمر عن المدرسة جاك دريدا (1930-2004م)، الفيلسوف الفرنسي رائد مدرسة تفكيكية, تفكيك النص الأدبي؛ لأن كل النص عنده يتجزأ فهمه بعدد قارئيه، فليس للنص الأدبي أي معنى محدد.

ونقصد هنا بتفكيك العقل الجنوبي السياسي هي عملية تحليل مبادئ وعلاقات و مواقف العقلية السياسية الجنوبية خلال المراحل السابقة والحالية من خلال محاورين هما:

الممارسة السياسية والهوية.

اولا: الممارسة السياسي.

من ناحية الممارسة السياسية فالعقل السياسي الجنوبي مر بثلاث مراحل سياسية في تعامله مع القضية السياسية, مرحلة الاستعمار, في ظل الدويلات والمحميات البريطانية , ومرحلة الاستقلال, ومرحلة الوحدة , ومرحلة ما بعد الوحدة.

1. مرحة الاستعمار:

كان النشاط السياسي يتحدد في النخبة المثقفة التي تشكلت في دوائر الحكم, ولها ارتباطا مباشرا بالسلطة القائمة في ذلك الزمن, سوى كانت الدويلات أو دوائر الانتداب الريطاني, مارست النخبة نوع من النشاط السياسي يتسم بنوع من الممارسة السياسية الديمقراطية في الحدود الذي يسمح به الاستعمار , وظهرت هناك حركات سياسية واحزاب في نهاية المرحلة، و كان هذا يمثل نوع من بداية النضج السياسي, لان الذين يمارسون السياسة في ذلك الوقت, هي النخب القريبة من مصادر القرار, وعلى مستوى عالي من المعرفة والوعي, لم تشتغل الطبقات الشعبية بالسياسة والتعاطي معها, فكانت محاولة لتأسيس طبقة سياسية ناضجة كان يأمل عليها في المستقبل , لكن تلاشت هذه الطبقة برحيل الاستعمار وصُفيت بعده.

2. مرحلة ما بعد الاستقلال .

كانت هذه المرحلة على اختلاف تام مع المرحلة السابقة , لأنها مرحلة جاءت بعد ثورة, فعكست راس الهرم , فصعد على رأس الهرم من لم يمارس السياسة قط, وهكذا طبيعة الثورات , تأتي بالثوار والمسلحين لتضعهم على رأس الهرم , فما يلبثوا أن يعودوا لطابع أصلهم العنفي في التعامل مع السياسة, بدلا من اخضاع الآخرين عن طريق أدوات السياسة , يتم اخضاعهم عن طريق القهر والتصفية, هنا تشكلت عقلية سياسية اقصائية لا تعرف الحوار, تتعامل مع السياسة من منطلق ثوري حتى بعد انتهاء الثورة.

عقلية اقصائية وفق الفلسفة الاقصائية التي تبناه قادة الثورة والذين اصبحوا فيما بعد على رأس السلطة ومارسوا كل أنوع العنف الثوري وفق فلسفة صراع الأضداد.

3ِ.مرحلة الوحدة.

دخل العقل السياسي الجنوبي الوحدة, وهو عقلية مرهقة مفلسة, بعد الصراعات والتصفيات , فبدلا من أن يجدوا لهم ملاذا آخرا لحل مشاكلهم الاقتصادية والسياسية, وكانت كل الأمور متاحة لهم , إلا أن العقلية الثورية التي لا تجيد السياسة والتعامل مع أدواتها لإخضاع الآخرين , أرادوا اخضاع الشمال للعقلية الثورية فرموا بكل أحجارهم وكأنه هذا هو الطريق الوحيد للنجاة , وهذا بسبب ثقافة عقلية احادية الاتجاه, لا تعرف التوازنات , فذهبت آمالهم أدراج الرياح ، في مقابل منظومة ذات اتجاهات متعددة تحكم الشمال, تعاملت مع الاندفاع الجنوبي ببرجماتية مصلحة النخبة فقط , مما أوصلنا للكارثة الراهنة, فلم تكن العقلية الشمالية بأذكى من العقلية الجنوبية كما يصورها البعض , ولكن تعاملت مع الاندفاع الجنوبي ببهيمية الجائع الذي يجيد الصبر حتى يفترس الفريسة وبعد ذلك لا يهمه أي شيء لا وطن ولا أمة ولا قيم و لا دولة.

فنقسم العقل السياسي الجنوبي إلى قسمين : قسم انهمك في ظل البهيمية الجائعة التي تأكل الأخضر واليابس ولا تألوا على شيء, بصورة المحلل الذي يأكل من أطراف المائدة, وآخر يرقب الوضع في حرمان وحقد, وهو الذي فجر في الأخير ثورة الحراك الجنوبي.

4.مرحلة ما بعد الوحدة.

الوحدة بمفهومها السابق انتهت وهذا أمر معاش وواقع , وخاصة بعد سيطرة الحوثيين على الشمال الذين لديهم قابلية للتنازل عن الوحدة مقابل التمكين لحكم سلالي هناك . فإن إقامة الإمامة أولى من إقامة الوحدة. وفي ظل سيطرة الجنوبيين على الجنوب , بالقوات التي تشكلت مؤخرا.

في ظل هذا الوضع القائم تشكلت عقلية سياسية جنوبية تتسم بسمات السابقة كلها واضافوا إليها مميزات أخرى, عقلية ثورية بحتة , في ظل غياب بعض قيم الثورة , ولذلك حدث التشظي, والذي ظهر في صفوف دعاة استقلال الجنوبي بسبب هذه العقلية الاقصائية التي لا تعرف التوازنات خلال مسيرتها السياسية, ومن باب الانصاف أيضا ليس هذا هو السبب الوحيد ولكن , أيضا تعامل القوى المضادة لهذا الاتجاه بكل ما ملكت من مقدرات الدولة, كان له الاثر البالغ في تشظي هذا الصف.

و لازال استجرار خلفية ثقافة الحزب الواحد, هو الذي يظهر بوضح في العقلية السياسية الجنوبية, لم يعرف الجنوب مفهوم التعددية الحزبية, ولم تكن هناك أحزاب سياسية تمارس العمل السياسي في السابق غير تجربة الحزب الأوحد, والحركات السياسية التي ظهرت في نهاية مرحلة الاستعمار كانت غير كافية ولها ظروفها, وان كانت هذه تجارب أفضل بكثير من تجربة الحزب الواحد التي سادت فيما بعد في الجنوب , فلازال ثقافة الحزب الحاكم الأوحد هي السائدة في العقلية الجنوبية السياسية, ولحد الأن لم نستطع التغلب عليها.

ثانيا: الهوية:

العنصر الآخر الذي يتم على أساسه التفكيك هو الهوية, لا شك أن العقلية السياسية الجنوبية تعيش حالة من التخبط في غياب الهوية الجامعة, وظهر هذا واضحا من بداية الثورة وبعد الاستقلال , لم يكن الجنوب يشكل وحدة سياسية واحدة وحتى قضية الجنوب العربي لم تكن هوية شاملة , بعد الاستقلال حصل نقاش حول هوية الدولة واسمها وهذا معروف , بغض النظر عما جرى بعد ذلك , ولكن الذي يهمنا هو أن هذا التخبط لازال موجودا عند الثوار الجدد الذين بعضهم لم يكن له صلة بالماضي , العزف على وتر الجنوب كهوية وجود, يشوبها الكثير من المنغصات عند المستفيدين منها .

ويدخل في ظل صراع الهوية صراع ضد الطيف السلامي, الذي يعتبر نفسه جزء من هذه الأرض وهويتها, إذا لازال اجترار ثقافة الماضي في النظرة للطيف الاسلامي في عقلية الثوار الجدد هي نفسها أو قريب منها, والنظر إلى هذا المكون الفاعل في المجتمع بنظرة يعلوها الشكوك والريبة , ويتم التعامل معها بكل مكوناتها على اساسة التعامل معها كطابور خامس رغم انخراط فصائل واشخاص من هذا الطيف في الثورة الجنوبية مثل ما يسمى بالهيئة الشرعية الجنوبية, واغلبهم خرجوا من تيارات محلية اسلامية معروفة, كان من باب أولى أن يتم احتواءهم في المكونات الجديدة , فالنظر الاقصائية للطيف الاسلامي كله يجسد الخلل الكبير في تشكيلة البنيوية للعقلية السياسية الجنوبية, ولا اظن أنهم يستطيعون التغلب عليها في الفترة اللاحقة, لماذا لعدة اسباب منها:

النظر للطيف الاسلامية على أنه كيانا واحدا أو مجموعة فرق تؤدي هدف واحد بطرق مختلفة, وهذا الذي يظهر في التعامل مع طبيعة هذه الطيف في الظاهر, ولكن هناك عامل آخر لا يظهر سنوضحه لا حقا. رغم أن الطيف الاسلامي بكل مكوناته ليس كله منظومة واحدة , ورغم الاختلافات والصراع الحادث بينهم , إلا أن العقلية السياسية الثورية تصر على أنها مجموعة واحدة , ومن الصحيح أن مكونات الطيف الاسلامي قد تتحد في مرحلة ما , بسبب هدف ما, والهدف الوحيد الذي يمكن جمع أفراد الطيف الاسلامي او تفعيل التنسيق فيما بينهم, هو عندما يتم استهداف الموروث الدين ومنابره, مثل ما عمل الحزب الاشتراكي في الماضي, أما في ظل السماح بالحريات والممارسة الدينية والدعوية المكفولة بالقانون للجميع يبرز التباين بين الجماعات الاسلامية.

لكن هل يمكن ان نعد الطيف الاسلامية ضمن العقلية السياسية الجنوبية , أو جزءا منه , بطبيعة الحال الجنوب لم يعرف من قبل مشروع الاسلام السياسي, حتى في ظل مراحل الاستعمار السابق التي كانت تتسم بالحريات والممارسة الديمقراطية البسيطة , ولكن كان الاسلام يمثل الحاضن الثقافي والفكري لكل الحركات السياسية السابقة , ولم يكن هناك كيانا سياسيا اسلاميا منفردا, يمارس العمل السياسي بذاته, ولكن أغلب الذين مارسوا العمل السياسي وانخرطوا في الثورات السابقة, يمكن أن نقول عنهم كانت لديهم الدوافع والمنطلقات الاسلامية الحاضرة فيهم وفي توجهات بعضهم, وكانت تعد الرافع الفاعل في تفجير الثورات, حتى الناصرين كانوا يعدون الاسلام هو الملهم لثوراتهم , ولكن كانوا لا يسعون لتطبيقه, وفرضه, يعتبرونها أحد إنجازات الأمة العربية, ويمكن أن تنجز الأمة العربية انجازا غيره, إذا المنطلقات الاسلامية كانت من ضمن المكونات الاساسية للعقلية السياسية الجنوبية, حتى حدث الفصام النكد بعد ذلك بفرض الايدلوجية الماركسية وتحديدا بعد تأسيس الحزب الاشتراكي من طراز جديد.

إذا التعامل مع أطياف الصحوة الاسلامية في المجتمع بالإقصاء وعدم الانفتاح عليها أو تقوية فصيل منه لضرب المكونات الأخرى هذا لا يخدم المشروع السياسي الجنوبية, بل يجعل من الاطياف الأخرى تبحث لها عن تحالفات أخرى تستطيع من خلالها الدفاع و الحفاظ على وجودها.

هناك عامل آخر اساسي الذي يدفع بالعقلية السياسية الجنوبية أن تظل في شقاق وخلاف مع اطياف العمل الاسلامي المنظم, وهو انخراط الإسلام السياسي في العملية السياسية بعد الوحدة كمكون اسلامي مستقل يحمل مشروعا اسلاميا, وقدرة هذه المكون على تنظيم نفسه وترتيب اوضاعه لأي استحقاق ديمقراطي قادم للمنافسة , هذا بحد ذاته يشكل رعب لأصحاب المشروع الثوري الجنوبي, الذي يحسب حساب لهذه المرحلة, فبدلا من التفاهم والبحث عن القواسم المشتركة, نجدهم يذهبون بعيدا في عقلية الاقصاء والتخوين والمحاربة, مما يجعل الصف الجنوبي ممزقا, يستطيع المغامرون اللعب من خلاله , وإن تغطية هذا الرعب بغلاف من الدعاءات بعضها حقه وكثير منها باطلة, أو الاستقواء بالأقوياء والانتقاء لضرب هذا بهذا , هذا مؤشر على فشل المشروع في احتوى متطلبات المرحلة القادمة والاستعداد لها.

اذا العقلية السياسية الجنوبية عليها أن تدرك الفواصل بين المراحل مثل الانتقال من الثورة إلى ممارسة العمل السياسي , وعليها أن تدرك أن السياسة هي اخضاع الآخرين أو الخصم السياسي بأدوات السياسة نفسها, و ليس بالقهر و القمع هذه مرحلة انتهت من حياة الشعوب التواقة للحرية, وأن الموازنات ليس معناها التنازل عن قضيتك ولكن اشراك الغير في قضيتك, أن اكبر تحدي امامك كثوري ان تجعل قضيتك قضية عامة الناس, او اغلب الناس. وأن الثورة يقوم بها كل الناس, وكل الفصائل تتحد فيها, ويحكمها فصيل بشراكة , ويتحول البقية إلى معارضة ويتم الانتقال من الثورة إلى الدول والسلطة , تتشكل الأحزاب والمنظمان, وثم تمارس السياسة بأدواتها , ليس بالقهر والرعب والتخوين.

لازال سلوك عدم الثقة قائما بين أطياف العمل السياسي الجنوبي, ويوجد من يغديه, والكل مسؤول بما فيهم الحركة الاسلامية نفسها. وفي ظل تعاطف الغربي مع المشروع الحوثي, فإن حتمية التقارب مطلوبة, فإذا كانت العقلية الثورية الجنوبية ترى لا اشكال في انفراد الحوثي بالشمال, مقابل الجنوب, تعد هذه مقامرة تحتاج دارسة واعية, وفهم مخاطرها ومخاطر المجازفة فيها. وكذلك فصائل الطيف الاسلامي وخاصة الجماعة الجنوبية منها, فالحاضنة الجنوبية بالنسبة لها مهم جدا فلا تراهن على حاضنات أخرى , لأنه لا يمكن انجاز مشروعها الحضاري التوعوي والدعوي في بيئات أخرى, فلا بد من الالتقاء والانفتاح على الأخر, الشريك في الأرض والمعاش من الجميع. أخطر ما يمكن توقعه من كوارث هو السير في ضوء الاملاءات الخارجية دون رشد .

د سالم أحمد باوادي 20 ربيع الاخر 1439هـ 8/يناير/ 2018م

رابط مختصر
2018-01-09 2018-01-09
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة