ثقافة التفرد والزعامة الكرتونية (……………..نموذجا)

الإحاطةآخر تحديث : الجمعة 25 أغسطس 2017 - 10:44 صباحًا
ثقافة التفرد والزعامة الكرتونية (……………..نموذجا)
سالم أحمد باوادي

تعيش الأمة اليوم حالة من التمزق والنزاعات والاختلافات في الآراء على جميع الأصعدة, ننتجه للتفرد برآي والشقاق الذي لا يخفى على أحد , ولا خلاف أن الأمة اليوم تحتاج إلى قيادات فذة في جميع الأصعدة , هذا أصبح من احتياجات المرور والعبور , لكن المشكلة ليس في نقص هذه القيادات فحسب , ولكن في انتشار الثقافة الخاطئة حوال القيادة والزعامة, لا شكك أن الأمة لا تحتاج لقيادات تساعد على تمزيق جسدها وتساعد على تشتيت جهودها, علينا أن نتقي الله فيها, من علماء ومشايخ ودعاة وطلبة علم وقيادات سياسية وعلمية وتربوية واجتماعية.

إن عصرنا اليوم عصر التغيرات المتسارعة عصر انفجار المعرفة في جميع الأصعدة , حتى أصبحنا نشك في الثبات النسبي للمفاهيم والعلاقات والأفكار, من كثرة التدفق والفيض العلمي والفكري الذي لا يعرف حدود , وبالتالي تتجدد المشكلات والتحديات اليومية وتتغير بشكك سريع جدا ومربك , وفي المقابل مع كل هذه التغيرات الحادثة اليوم تجدنا نواجها بوسائل تقليدية وبدائية فكريا وسياسيا واجتماعيا, أصبحت عقيمة في انتاج حلول مبتكرة تنتشل الأمة من واقعها الراهن. فإن من أعظم المشكلات والمعيقات التي تزيد المشهد إرباكا وتوترا, بل وضياعا, التزعم والتفرد الذي لا يستند على تجرد وتقوى وعلم ودراية, ولكن يستند على نزعات وتأويلات بعيدة عن مصلحة الأمة في بعض الأحيان , وإن أسوأ ما في الأمر أن تغلف هذه النزعات بالصالح العام .

أوجه كلامي هنا وبكل شفافية لشريحة خاصة وهي من خير الشرائح إذا صلحت صلحت بها الأمة واذا فسدت و تنازعت بسبها الأمة وهي شريحة العلماء, المشايخ , وطلاب العلم والدعاة المصلحين. فهؤلاء لا يمكن فصلهم عن القضايا الاجتماعية وعن المجتمع والصالح العام , لأن ديننا ليس دين رهبانية وما لقيصر لقيصر وما لله لله أبدا , ما وجد هذا الانفصام في تاريخ الأمة إلا في العهد الحديث, العهد الذي فشلت فيه الأمة في تحقيق الريادة.

أوجه الكلام لهؤلاء فلا تزيدوا الطين بلة ولا تزيدوا الشقاق الخلاف , فهذا العصر ليس عصر بن تيمية , ولا عصر العز بن عبد السلام, هذه عصر (العقل الجمعي ), عصر (المجامع الفقهية) وعصر (الهيئات العلمية) (والمجالس العلمية), عصر يجب أن نحيي فيه مصطلح (رأي الجمهور) , عصر تتشعب فيه المشاكل وتتجدد بشكل لا يستطيع العقل الفذ في تحقيق مناط الحكم بمفرده , فلا بد أن تتلاقح العقول وتتعارض لتخرج لنا الصواب, عصر القرارات الجماعية والجهود المختلفة المجتمعة. القضية ليس أن أسبق غيري واتصدر, ولكن القضية أن أمة تضيع وتتمزق وتتشرذم وتتصارع وتبتعد شيئا فشيئنا عن غاياتها التي رسمها لها نبيها, فهل نفقة القضية, إن الزعامات الكرتونية الانفرادية التي نرسمها لأنفسنا , ما أسرع ما يستغلها أعداء الأمه الذين تميزوا بالدهاء والمكر في التعامل مع هذه الشطحات وهذه النزعات الفارغة التي لا تستند في تفردها وتزعمها على أسس المشروع الشامل الكامل المدرك لواقع الأمة ومالآتها.

إن خيوط المؤامرة تلتف حول عنق هذه الأمة لتخنقها وتقضي عليها , ما أسوأ أن نكون نحن الطليعة من يلف هذه الخيوط دون علم ووعي ونستغفل, بطريقة غبية , وتضرب الأمة في دينها وعقيدتها ويتفلت شبابها منها لتستدرجهم دوائر الإلحاد والضياع.

أن عمر رضي الله عنه كان يجمع أهل بدر لمسائل تعد يسيرة بالنسبة للمسائل والتعقيدات التي نواجهها في هذا العصر والتي تفرد كثير منا في التعامل معها بمفرده.

نحن أمام اشكالية حقيقة وهي غياب ثقافة الاجتماع, وانتشر ثقافة النزاع والشقاق والاقصاء , أن الاجتماع أضحى غير متيسر , والأسباب كثير من أبرزها عدم التفكير في وسائل جديدة مبتكرة تعينا على جمع الكلمة.

لكي نحل هذه الاشكالية علينا أن نسعى في تقوية المجتمعات وليس تقوية الدولة, أن المجتمع القوي بمؤسساته الجمعية المستقلة والتي لا تعتمد على الدولة هو أقوى من الدولة, وهو صمام أمان, وليس يعنى هذا أن نجعلها تعتمد على المنظمات الدولية, الأجنبية والخارجية, وهذا أسوأ ما يحدث في المجتمعات الناشئة, لكن مؤسسات تعتمد على ذاتها ومبادرات أعضائها, فليبادر العلماء والمشايخ في تكوين المجامع الفقهية والهيئات العلمية المحلية, وتضم أكبر قدر من التنوع حتى تقطع الطريق على أصحاب النزعات الفردية, التي سوف تستغل لا شك ولا ريب قريبا أو بعيدنا من قبل دوائر خارجية في ضرب الدين والأمة, وكذلك أصحاب التخصصات الأخرى عليهم أن يسعوا في قيام هذه الهيئات والمجامع التي تجمع كل اطياف التنوع من التخصصات والمهن , ويتنظم المجتمع وتسوده القرارات الجمعية لا تسوده التفرد ولا الشذوذ , وأخطر ما في هذا المجال هو الدعم الخارجي الذي لن يكون لوجه الله أبدا, أبدا, أبدا.

إن تنظيم المجتمع في هيئات ومنظمات ومجالس ومجامع علمية اجتماعية وانسانية مستقلة هو صمام امان للدولة والمجتمع , يغرس فينا ثقافة القرار الجمعي وثقافة الاجتماع والرأي والعقل الجمعي , اذا سلمت من أمراض التزعم والقيادات التاريخية والسلالية والمناطقية والعنصرية, والشللية الفاسدة.

كلمات دليلية
رابط مختصر
2017-08-25
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة