ماذا لو وضعتك اللغة بين لاءين؟

الإحاطةآخر تحديث : الأربعاء 9 أغسطس 2017 - 11:40 صباحًا
ماذا لو وضعتك اللغة بين لاءين؟
رياض عقيل بونمي

يأتي في أساليب لغتنا الجميلة أسلوبٌ يضع المتكلمُ نفسَه ,أو يوضع بين فعلين( حدثين) محصورين بلاءين ( لا ) و(لا ) ’ هذه الحالة في أساليب كثيرة تبيّن مدى قلق المتكلم واضطرابه وعذابه , فلا هو في الحال الأول فيرتاح, ولا هو في الحال الثاني فيهدأ.

خير مثال لها قوله تعالى: ( لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) [فاطر/36]. فهؤلاء لا الموت ذاقوا فتخلصوا من العذاب, ولا التخفيف لحقهم . ومن الشعر الفصيح قول الكميت الأوسط:

عراقيةٌ لا أنت صارمٌ حبلها ولا وصلها بالنجد أصبح دانيا

فهذا الشاعر لا قطعَ حبل الوصل فسلم , ولا وصل حبيبه ففرح.

وفي الشعر العامي يخطر ببالي قول الشاعر الغنائي أبي بكر سالم بلفقية: لاني بنايم و لا ني بصاحي الشوق كدر مزاجي وراحي

وقول العواضي: (لا تشلوني ولا تطرحوني سلمو روحي لذي هم يحبوه)

فبلفقية لا نام فسكن ونسي أمر الشوق ولهفته, ولا صحا فرجعتْ له قواه. وكذلك الشاعر الآخر أراد حالة وسطية مقلقة فلا أحباؤه أخذوه فارتاح, ولا طرحوه فتدارك أمره.

فالوقوع بين لا لاءين بفعلين متضادين حالةٌ صعبة متأرجحة تنمُّ عن مسار لم تحدد معالمه’ ولم يستبن طريقه .

والمتأمّل في الحال الأول والثاني بعد ( لا) على انفراد يبان له إيجابية كل فعل منفردا بوصفه فعل حصل ووقع على حالة مستقرة :

(لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) القضاء عليهم والموت = فعل إيجابي مقارنة بالبقاء في العذاب. (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) التخفيف من العذاب أمر إيجابي مقارنة باستمرار العذاب.

لكن عند اجتماع الفعلين بين الاءين يتحول الفعل إلى سلبي : (فعدم القضاء وترك التخفيف )= البقاء الطويل في العذاب.

إذن : (لا) إيجابي +(لا) إيجابي = سلبي وقل في البيت الشعري ( قطع الحبل والفراق) إيجابي لمن يبدأ حياة جديدة (والوصل والتلذذ به) إيجابي لمن اختار القرب من حبيبه . وقوع هذين الأمرين بعد (لا ) المكررة غيّر المشهد كله وأوصل الذات إلى حالة متأرجحة غير مستقرة. في حالة لا وقطع ولا وصل .

إذن: حالة لا وقطع ولا وصل = سلبي فصار الأمران قطع الحبل والفراق+ والوصل والتلذذ به= لا وقطع ولا وصل (لا+إيجابي ) + (لا + إيجابي ) = سلبي ويبدو الأمر جليا في بيت بلفقية الذي بدوره شرح حالته النهائية بعد نفي النوم والصحو (لا نائم )+ (لا صاحي) = كدر المزاج.

لكن هذا الصورة المنفية الطرفين وما بعدها أمر إيجابي يقف الشخص فيها موقفا وسطا لا تكاد تضمّه إلى ما قبله ولا ما بعده, بل ربما تجد صعوبة في ذلك.

حالة مابين النوم والصحو صعبة التصور, فإما أن يكون الفرد نائما أو صاحيا وحالة الجمع بينهما تفضي لواحدة منهما عند التحقق. كذلك حالة الشاعر الذي لا يريد أحد أن يشله ( يأخذه ) ولا ( يطرحه ) كيف نتصور حاله؟ . ومن باب المزاح قلت لأحد العامة ماذا تقول في هذا القول .؟ قال: نتركه معلقا في الجو.

فنخلص مما سبق أن نفي فعل يتلوه نفي يصل بالفرد في هذه الحالة إلى عدم الاستقرار والقلق ويستقر في حالة أسوأ مما سبق. وبالعكس إذا كانت المعادلة كالتالي : ( لا سلبي + لا سلبي = إيجابي)

كقوله تعالى (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس/62] فالخوف ( أمر سلبي) + الحزن(أمر سلبي) = الراحة الدائمة ومثلها : لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر/61] يَمَسُّهُمُ السُّوءُ( أمر سلبي) + هُمْ يَحْزَنُونَ ( أمر سلبي) = النعيم الدائم.

فالولوج لحالة رمادية غير بائنة المسار والتذبذب في ذلك أثر عن الدخول بين اللاءين على ما بيناه آنفا.

كلمات دليلية
رابط مختصر
2017-08-09 2017-08-09
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة