قطع الشطرنج بين رقعة المعلا ورقعة السبعين

الإحاطةآخر تحديث : الإثنين 17 يوليو 2017 - 7:43 صباحًا
قطع الشطرنج بين رقعة المعلا ورقعة السبعين
سعيد النخعي

في بلد غدا ساحة للمشاريع الهزيلة كهزالة أربابها الذين لم يحسنوا في حياتهم شيئا ؛ سوى الكذب والانسلاخ من جلد إلى أخر ، عام معك ، وعام عليك ، وثالث معك عليك يفصل في ذلك المصلحة ، ويحدد ذلك الطلب .

خمسون عاما خلت ؛ ذهبت أيامها بسفر خال لم تدون الأيام على صفحاته منجزا ، ولم تخط السنون شيئا نافعا يذكر إلا من محاولات يائسة للبحث عن لقمة تدفع بها شبح الموت عن نفسها ، أو البحث بين أكوام الهزيمة عن كرامة .

خمسون عام أدبرت وغدت جزءا من التاريخ ، تاريخ لايملك من التاريخ سوى الاسم فقط ، مضت سنونه لاتلوى على شيئ سوى جراح تحمل في شقوقها الغائرة مأساة إنسان اختطفته يد الموت وهو على قارعة الطريق منتظرا للحياة .

للكذب في هذا البلد قصة ، وللبؤس حكاية ، قرينان اجتمعا ، واتفقا ؛ ولم يختلفا إلى اليوم في شراكة إن لم تكن سرمدية فلاشك سيطول عمرها ، ليس تخرصا ، ولا رجما بالغيب ، ولكن ما أجزم به يقينا إن الله كتبا لها عمرا لم يكتبه لغيرها من الأفات والرزايا حتى الأن .

استوطن البؤس الأرض ، والتهم الكذب الإنسان ، وارتضى كل واحد منهما بما معه ، قسمة تبدو عادلة في ظاهرها ، أما باطنها قسمة لصين أخذا مالا ؛ وهربا بعيدا عن أعين الناس ، ثم جلسا وسط الظلام يتقاسما على خوف وعجل .

احكم البؤس قبضته على الأرض ، فانتجت حقولها الجوع ، والتهمت أشجار الفقر أخصب أراضيها ، في مشهد يشبه إلى حد كبير ما بذرته يدا عفاش في دلتا أبين ، ودلتا تبن ؛ لبذرة شجرة السيسبان بحجة مكافحة التصحر وهي في الحقيقة مكافحة التخضر ، فتحولت البلدة التي عرفت في التاريخ بالخضراء إلى صحراء لاتنبت عشبا ولا كلا.

احكم الكذب قبضته على الإنسان ؛ وسلبته مشاريع الدعاية أرادته ولبه ، فتحول الناس كقطعان هائجه ، وسوام منفلته من عقالها ، بعد إن حولت عصبة الأفاكون والدجلة الشعب إلى قطع شطرنج ، تنقلها متى شاءت ، وتتركها في مكانها متى شاءت ، بحسب ماتقضيه مصلحة المهرجين والحواة ، وماجموع السبعين ، والمعلا عنك ببعيد .

سيشتاطون غضبا ؛ حتى تنتفخ أوداجهم أنصار السيد والمخلوع لذكري شارع السبعين، بوصفي أما داعشيا ، أو خائنا عميلا للعدوان ، وسيشتاط غضبا أنصار المجلس حتى تحمر أنفوفهم لذكري شارع المعلا بوصفي أما اصلاحيا ، أو جنوبيا بلسنيا .

أنصار السبعين يحركون قطعهم الشطرنجية من ميدان إلى أخر ، ينادون على من لم يلحق بركبهم اركب معنا ، في سفينة الوحدة أو الموت ، فلا مجير لك من بأسنا إلا اللحاق بركبنا ، ممتشقا سيفك الخشبي ، تقاتل طواحين الهواء ، مرددا الولاء لأمريكا والموز لإسرائيل .

وأنصار المعلا ينقلون قطعهم الشطرنجية من ساحة إلى أخرى ، وينادون على من لم يلحق بركبهم اركب معنا ، في سفينة الانفصال أو الموت فلا عاصم اليوم من بطشنا إلا من كان كان معنا .

لم يحشد الحزب الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة ماحشدة عفاش والحوثي في ساحة السبعين ، ولم يحشد حزب المحافطين ولا حزب العمال في البريطاني ماحشده عيدروس الزبيدي في شارع المعلا ، مع فارق بسيط وهو إن جموع الديمقراطيين والجمهوريين والعمال والمحافظين ومعهم حزب الليكود الإسرائيلي حين تجتمع تعلم الغرض من اجتماعها ، وتعلم مردود هتافها ، وحلوقهم إن بحت فتهتف لمشروع اقتصادي سيرون أثره في نفوسهم قبل غيرهم ، في حين تزاحمت حشود السبعين تهتف بحياة السيد ، أو الزعيم ، وتتوعد الشعب بالموت ، وتسوق الوهم لنفسها قبل غيرها ، لأنها تعلم إن فناء أمريكا لن ينطلق من صعدة ، ولازوال إسرائيل سينطلق من صنعاء .

وكذلك فعلت قطع المعلا حين بحت حلوقهم مرددين شعار استعادة الدولة ؛ وهم يعلمون في قرارت أنفسهم إن شعار استعادة الدولة لن يتجاوز صداه مكان الاحتفال ، وإن الهدف استعادة المنصب في دولة الاحتلال .

انسى صخب شوارع صنعاء وعدن المتظاهرين ، ماسرق منهم الحواة في مسرحية الخمسين فصلا ، التي كان أخر مشاهدها مشهد حبتور بجانب الرئيس هادي ، وبن دغر بجانب عفاش ، يتجاذبان طرفي حبل السلطة ، وكل طرف يتوعد الأخر بالرحيل من اليمن ، أو الرحيل من السلطة ، ولم يتوعد أحدهما الأخر بالموت أبدا ، وبينما كانت القطع الشطرنجية تنتظر خروج المغلوب من الوطن أو من السلطة ، لم يخرج أحد منهما لا من الوطن ولا من السلطة ، لتنتهي النقلة قبل الأخيرة بتبادل بين رأس الوزارة في عدن برأس الوزارة في صنعاء ، بعد إن تخلى صالح عن رض وقناعة عن بن دغر مقابل الحبتور ، وهو المشهد الذي لم تتمكن القطع الشطرنجية من استكماله بسبب انشغالهم بالإسهالات المائية ، واسهال استعادة الدولة .

رابط مختصر
2017-07-17 2017-07-17
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة