وانطفأ سراج ذهبان

الإحاطةآخر تحديث : الخميس 15 يونيو 2017 - 5:56 مساءً
وانطفأ سراج ذهبان
طه بافضل

يحق لي، أن أكتب هذه المقالة بحزن، والذكريات الجميلة تنساب من المخيلة، تسعف القلم ليكتب هذا العزاء برحيل سراج من سرج بيت من بيوت الله، في جامع الأزهر كما سمي عند بنائه ثم اشتهر بمسجد ذهبان نسبة لقربه من مزارع ذهبان في غيل باوزير. إنه العم عمر سالم بن همام رحمه الله، ركن من أركان المسجد؛ فهو من يقوم بفتحه وغلقه والعناية به وبفتح إنارته وتجهيز سماعاته وكل ما يستجد فيه. عاصر أئمة سابقين، أعرف منهم ولا أعلم هل أحد قبلهم؛ كالشيخ أحمد باعباد والشيخ محمد بارفعة رحمهما الله، والشيخ عبدالله بامخرمة حفظه الله، لك أن تتخيل، أن المغفور له بإذن الله كان يرابط في الصف الأول خلف الإمام – أي إمام – في مسجد ذهبان، عقوداً من الزمن، مدركاً لتكبيرة الإحرام مع الإمام؛ ياله من فضل عظيم أدركه هذا الرجل الصالح، كتب الله أجره وتقبله في الصالحين؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق. والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي. وجاء في ذلك ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن مجاهد قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا أعلمه إلا ممن شهد بدرًا. قال لابنه: أدركت الصلاة معنا؟ قال: نعم ، قال: أدركت التكبيرة الأولى؟ قال: لا. قال: لما فاتك منها خير من مائة ناقة كلها سود العين. والمدهش فعلا، التزامه بجسده النحيل فترات طويلة، بالوصول إلى المسجد في السحر قبل الآذان الأول بساعة، ليهيئ بيت الله لاستقبال يوم جديد وفجر جديد، في وقت مبارك مشهود له بحضور الملائكة ونزول الرب الكريم المنان..يفعل ذلك حتى وهو بصحة ضعيفة، وقد كان آخر عمره يسير ببطارية في قلبه، لكنه كان أيضاً يملك بطارية المحافظة والمداومة على الطاعة وحبه للمسجد التي جعلته رحمه الله يدبّ نشاطا وهمة وما ذاك إلا لهذه السيرة العطرة المباركة. يتذكره المصلون وهو في يوم الجمعة يكنس المسجد ويهيئه ويعطره ليوم العيد الأسبوعي، ويتذكرونه وهو يفتح باب الجنائز لتجهيز الميكرفون لإقامة صلاة الجنازة، وهو كذلك يجلس بجوار مأذون العرس بعد تهيئة الميكرفون لإتمام عقد الزواج تعلوه ابتسامة البسيط المتواضع يشخص بعينه إليهم في ترحاب واهتمام. علاقتي به لسنوات مضت حينما كنت في مدرسة تحفيظ القرآن بالمسجد، في آواخر التسعينات وبداية الألفين، كان النشاط يشتعل في المدرسة، والمناسبات تتوالى حيث التحفيظ والتسميع والمراجعة واحتفال تكريم الحفاظ والمجلات الحائطية وتهيئة الرحلات وعقد الجلسات والاجتماعات بمكتبة المدرسة كان المسجد بحركة المدرسة علامة مميزة في غيل باوزير وكان العم عمر يشهد على هذا النشاط ويبارك لنا به وكنت معه على علاقة وطيدة مع الانبساط والتبسم وتبادل المزاح والكلمات اللطيفة وظلت ولله الحمد هذه العلاقة بعد رحيلي عن مدرسة التحفيظ، وكلما التقيته بعد غياب يحتفي بي ويضحك ويتذكر تلك الأيام الطيبة والكلمات اللطيفة والمواقف المختلفة. لقد كان عمر بن همام بحق سراج بارز من سرج مسجد ذهبان وبرحيله في هذا اليوم العشرين من شهر رمضان المبارك 1438هـ ينطفئ السراج، لكنه سيظل مضيئاً معنوياً ينير لجيل المسجد الحالي الطريق إلى الاستمساك بهذه السيرة الجميلة ومحاكاتها كل قدر استطاعته ووسعه. رحم الله العم عمر سالم بن همام اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، ووسع مدخله وأكرم نزله، واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. وعزائي لأولاده واخوانه وبقية آل بن همام كتب الله أجركم وأحسن عزاءكم وإنا لله وإنا إليه راجعون.

رابط مختصر
2017-06-15
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة