حرب الباريزة

الإحاطةآخر تحديث : الثلاثاء 13 يونيو 2017 - 10:21 صباحًا
حرب الباريزة
سعيد النخعي

سئل الفريق أول صلاح المحرزي قائد القوات المصرية أبان حرب الجمهوريين والملكيين في ستينيات القرن الماضي في اليمن ؛ ماهو السبب الذي أطال أمد الحرب بين الجمهوريين والملكيين لما يقارب من سبعة أعوام ؟

  فأجاب إجابة مقتضبة ، تبدو ساخرة في ظاهرها ، عميقة في مدلولها ، تنم عن إلمام ودراية بأبعاد هذه الحرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فقال بلهجته المصرية : ( عاوز تعرف السبب الحقيقي الذي أطال أمد الحرب بين الملكيين والجمهوريين ؟ قال محاوره: نعم ، قال : كان في اليمن باريزة متداولة شكلها حلو أوي – يقصد الريال الفرنسي – فكنا نعطي القبيلي باريزة فيعطينا إحداثيات صحيحة عن أماكن وتحركات الملكيين ، فيأتي الملكيون في المساء فيعطونه باريزتين فيعطيهم إحداثيات صحيحة عن أماكن وتحركات قوات الجمهوريين ، فظل القبيلي شغالا لمدة سبع سنوات متنقلا في الصباح جمهوريا ، وفي المساء ملكيا .

ثقافة الباريزة ثقافة معقدة ، ساهمت في تشكيلها جملة من الأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، تتاقض مع بعضها في أحيان كثيرة ، وتجتمع مع بعضها في حين واحد فقط وهو حين ( العوز والحاجة ) وليس كما يفسره بعض المتشدقين ، والمتفيهقين ، حين يعزون هذا إلى الجهل فقط ، لأن قدرة الجهل في توجيه السلوك تكاد محدودة ، بخلاف صوت المعدة الذي يعلو في أكثر الأحيان على صوت الضمير الذي يعد أخر قلاع حصون الإنسانية .

حين تلتحم جيوش المشاريع السياسية ، ويعلو غبارها في ميادين الوغي العبثية ، وحين يسعر المسعرون حرائقها ، لايبحثون سوى عن وقودها فقط ، أما بقية لوازمها فهي في متناولهم منذ إن وطئت مقاعدهم كراسي الحكم ، فقد أورثتهم السنون الطويلة المال ومن أمتلك المال – كما يقولون – أمتلك القرار ، ولا أقصد هنا القرار الذي يدير حياة الناس ، ويسيير شؤونهم المختلفة ، بل يتعدى ذلك إلى حياتهم وموتهم ، ولايفهم من قولي ( حياتهم وموتهم ) قدرة هؤلاء على إحياء الناس إماتتهم – معاذ الله – فهذا صنيع خص الله به نفسه فقط ، ولكن قدرة هؤلاء تأتي من خلال التحكم في الأسباب الموضوعية التي تؤدي بالمرئ إلى اختيار الموت عن رض وقناعة ، فيسير بقدميه ليلقى مهلكه ومصرعة .

حين تتصارع الأمعاء الخاوية ، حتى يسمع صراخها بقية أعضاء الجسد ؛ تولد خيارات عجيبة ، وخارقة ، وأحيانا مستحيلة ، فحين حاصرت الحرائق التي أشعلها السياسيون الانتهازيون ، السواد الأعظم من الناس ، لم يجدوا إلا المرور على جسر حممها بالرغم من احتمال نسبة الموت المحققة إلى أعلى درجاتها في حين لا يسجل منسوب السلامة إي نسبة تذكر، مرددين قول الشاعر : إذا لم يكن إلا الإسنة مركبا فما حيلة المضطر إلا ركوبها

فيتهافت الناس على نار الحرب التي أوقدها السياسيون الانتهازيون كما يتهافت الفراش على الضوء ، وكلما خف سعيرها التفت مسعروها إلى أكوام الأموال التي التهموها من عرق ودم المتهافتين على السعير ؛ القوا بضع برايز وسط الجموع المتهافتة على السعير حتى يتدافعوا عليها لتزداد لهيبا وتوقدا ، في مشهد يشبه إلى حد كبير مافعله نيرون عندما احرق عاصمة ملكه ، وانتحى جانب مرتفعا منها ، وأخذ يضرب على أوتار قيثارته وكلما زادت النيران توهجا أزداد نشوة وضربا على أوتارها .

لابد من سد باب المعدة المؤدي إلى الضمير ، فهي حارس غير مؤتمن على أخر قلاع الإنسانية .

رابط مختصر
2017-06-13 2017-06-13
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة