العدل العدل

الإحاطةآخر تحديث : الأحد 4 يونيو 2017 - 10:42 صباحًا
العدل العدل
هاني بلقدي

الحياة – إخوتي الكرام – مضطربة كاضطراب شخوصها ، متغيرة كتغير أحوالها ، مائجة بحوادثها ، متقلبة بطبيعتها . فالكون محكوم بأمر الله سبحانه فهو الذي خلقه وأتقنه وأودع فيه ما يصلحه ، ومن ذلك (الميزان ) قال تعالى : ( والسماء رفعها ووضع الميزان) بل أرسل رسله للناس مصطحبين معهم الكتاب والميزان ، فما أعظمه من ميزان عدلا وثباتا ! وعليه فإن الوزن والميزان لا غنى لأحد عنه ولا سيما في هذه الأزمنة التي كثر فيها الوافد ، وضعف فيها الوازع ، وسطا فيها الواقع ؛ فزاد فيه الانبهار وطغى فيه حب الدرهم والدينار ، فهنا وهنا فقط أرى الحاجة ماسة والضرورة ملحة لأن نتلمّس موازيننا الحقيقية إذ الحياة لا تقاس بحد ولا تحسب بعد.

  واجب علينا وحري بنا عدم تطفييف الميزان ، وعدم بخس الناس أشياءهم دعوة والتزاما وسلوكا ، ولكني أرى أن ميزان النفوس والأشخاص والهيئات والجماعات أشد وجوبا وأكثر دقة ؛ به تعرف الرجال ، وتمتاز الصفوف ، وتقوّم الأعمال وتصحّح المسارات ، فهو ميزان سماوي قائم على العدل ؛ إنه ميزان تتهاوى عنده جميع الموازين المصنّعة أو المصطنعة .

  أستغرب ممن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فلا ميزان يضبطه فكرا ولا سلوكا ، فيختلّ في نفسه وربما أخلّ بغيره ، ألا شاهت تلك الموازين المقلوبة ، التي تنظر للناس نظرة دونية ، ويرون أنفسهم نوابغ العصر ، ومفكري المرحلة ، ومثقفي البلاد، وناشطي السياسة ، على رسلكم يا بني قومي ؛فليس من العدل اعتلاؤك – ظلما- بانتقاصك غيرك ، ولا من الأخلاق تشويه غيرك- زورا- لتزيين نفسك وتقريب شخصك رغبة فيما عند القوم ومماهاة لهم فما هكذا يا أخي تورد الإبل!

  صولاتك وجولاتك ، كتاباتك ونشاطاتك قد تكون نافعة لك بإذن الله ولا يشقّ لك فيها غبار لكنها ليست ميزانك وليست هي ما يعوّل عليه وزنا وفضلا ، فكيف وقد تماديت ظلما ، وانتفشت غرورا ، وسعيت وشاية ؛ فاغتر بك فئام من الناس فظنوا ورمك لحما حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن .

  أين العدل ممن يرى لامه تجر بخلاف لام غيره ؟ أين العدل ممن يرى الدوح حلالا لبلاله وحراما على غيره؟ ليس عادلا من يفجر في الخصومة ، وليس عادلا من يظلم غيره ولو كان يهوديا أو نصرانيا .

  صور العدل كثيرة ومظاهر الظلم كبيرة ، فحذار أن نفقد صورة من صور العدل فنقع في الظلم ؛ فكيف بمن تفنن حماقةً في ظلم نفسه ، وكيف بمن احترف سخافةً ظلم غيره ؟

  على أن الظلم عاقبته وخيمة ، والناس فيه بين مستكثر ومقل ، فلننظر في أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا حتى لا نظلم غيرنا ولو بشطر كلمة فنتجرع الويلات ونغضب رب الأرض والسموات. جنبني الله وإياكم ظلم الظالمين وجهل الجاهلين. هاني بلقدي

كلمات دليلية
رابط مختصر
2017-06-04 2017-06-04
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة