(قل ولا تقل) بين التنطع اللغوي، والإباحة اللغوية المنفرطة..

الإحاطةآخر تحديث : الأربعاء 31 مايو 2017 - 9:55 صباحًا
(قل ولا تقل) بين التنطع اللغوي، والإباحة اللغوية المنفرطة..
عارف الكلدي

(قل ولا تقل) بين التنطع اللغوي، والإباحة اللغوية المنفرطة..

كثيرا ما نجد عنوان (قل ولا تقل) في مسألة التصحيح اللغوي، وغال

ب من يكتب في هذا يعتمد على كتب معينة، مثل كتابَي: درة الغوّاص في لحن الخواص للحريري، ولحن العوام للزبيدي.

الغيرة على اللغة العربية التي نزل بها القرآن العظيم لا ينازع فيها من ينتمي بصدق إلى أمة الإسلام، والمحافظة عليها مسألة دين قبل أن تكون مسألة هوية وقومية ونهضة، وثبات اللغة العربية على مستواها العالي هذه الفترة الطويلة من الزمن الذي لم تثبت عليه لغة أخرى يرجع إلى القرآن العظيم والسنة النبوية المطهرة، ولولا أن الله أنزل كتابه العظيم بهذه اللغة، واختار رسوله الخاتم من المتحدثين بها لانفرط عقدها ولتشعبت إلى لغات كثيرة كما حصل في اللغات من قبلها ومن بعدها كاللغات الأوروبية الحديثة.

هذا الثبات لهذه اللغة سيستمر يقينا إلى يوم القيامة، لأن هذا القرآن هو آخر الكتب المنزلة من عند الله، ولأن الرسول العربي هو خاتم المرسلين، والمسلمون يستشعرون أن المحافظة على لغة القرآن الكريم فرض عليهم.

لكن هناك فرقا بين هذا وبين التنطع اللغوي، لأن بعض الذين ينشطون في مسألة (قل ولا تقل) لا يهتمون في الغالب بقواعد تركيب الكلمات العربية (النحو العربي)، وإنما ينصب اهتمامهم نحو دلالة الكلمات المفردة وتصريفاتها غير القياسية، وغالبها في مسألة الجموع والمصادر السماعية.

غاب عن هؤلاء الغيورين أن اللغة كنشاط بشري ظاهرة متغيرة لا تثبت على حالة واحدة، وأن دلالة الكلمات واشتقاقاتها تتغير مع تغير الحضارة.

أبونا آدم عليه السلام كان يتحدث بلغة معينة، لكن بنيه الذين انتشروا في الأرض اختلفت ألسنتهم، ولو كانت اللغة ظاهرة جامدة لما تغيرت.

يقول الباحثون في علم اللغة إن أكثر فترة تجمد فيها اللغة على حالة واحدة لا تتجاوز خمسين العام، وذلك عند بطئ حركة التاريخ، وأما مع الحركة المتسارعة للتاريخ فتغير اللغة أسرع من هذا.

اللغة العربية في عصر صدر الإسلام تختلف عنها في العصر الجاهلي، وهي ذاتها في العصر العباسي تختلف عنها في العصر الأموي، ولغة العصر الحديث العربية تختلف عن لغة العصر العباسي والأموي، والدليل على هذا أنك لو قرأت لطه حسين أو العقاد أو علي الطنطاوي ستدرك دون أن تعرف الكاتب أنه من هذا العصر، ولو قرأت ما كان يعد أبلغ الكتب في العصر العباسي ككتب الجاحظ وابن قتيبة ونحوهما لأدركت أن هذه اللغة لا تنتمي إلى هذا العصر.

ومع هذا فقواعد النحو هي هي، لم تتغير، ولكن الذي تغير هو جرس الكلمات وترتيبها ودلالتها وبعض تصريفاتها بما يتناغم مع روح الحضارة.

أُلِّف كتاب لحن الخواص في العصر العباسي ليحاكم المتحدثين إلى لغة بعض المتحدثين في العصر الجاهلي، والذين يكتبون في مسألة (قل ولا تقل) غالبهم يحاكمون الناس إلى هذا الكتاب وما يشبهه، ولم يفطنوا لطبيعة اللغة المرنة.

ومع هذا يجب الحذر من الإباحة اللغوية، والدعوة لقتل سيبويه، فإنها دعوة هدامة مغرضة وراءها من يحسد العرب على ثبات لغتهم، وبالتالي فهي من أهم عناوين نهضة أمة الإسلام عموماً، ولكن المقصود هو الاعتدال والابتعاد عن التشدد والتنطع اللغوي، فإنه يشبه التنطع في الفتوى، ومعلوم أن التنطع والتشدد في الفتوى واحد من أسباب الإفراط والانفراط والتنفير.

كلمات دليلية
رابط مختصر
2017-05-31
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة