رمضان حيث تجد قلبك

الإحاطةآخر تحديث : السبت 27 مايو 2017 - 12:13 مساءً
رمضان حيث تجد قلبك
طه بافضل

يتذكر كثير من المسلمين شهر رمضان في سنيه الماضية، ويتغنون بأيامه الجميلة، ومجالسه العامرة، وكيف كان مليئاً بالعبادة واللقاءات والمسامرات، مع بساطة في العيش، وسهولة التعامل مع أعباء الحياة؛ فهذا يقارن الأسعار الماضية بموجة الغلاء الفاحش التي تجتاح الأسواق اليوم، وآخر يصف مائدة الإفطار أو السحور ولحظات انتظار صوت المدفع المحبب للنفس، كما في بعض البلاد، أو صوت المسحراتي الشجيّ، وهكذا يظل التذكر هجيراهم، والمقارنة ديدنهم، وينسى الكثير منا أن رمضان شهر يتجدّدُ كل عام، ولا يدري أحدنا أي رمضان به ينتفع، ومنه ينجو ويرتفع؟

رمضان حيث تجد قلبك، وليس جسمك وبطنك وبرامجك؛ فحياة القلب هي الأصل الذي ينبغي للمرء المسلم أن يبحث عنها، ويسعى إليها كما قال تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). [الأنعام:122] إنها حياة القلوب. يقول ابن كثير: “هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً، أي: في الضلالة، هالكًا حائرًا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله”. ويقول سيد قطب في ظلاله: “إن هذه العقيدة تُنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات. حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة. ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديداً كما لم يبد من قبل قط؛ لذلك القلب الذي نوّره الإيمان”.

إن رمضان يُنشئ حياة جديدة في القلب، حريّ أن نلتفت إليها، ونوليها عناية كبيرة. وهنا سنحاول أن نبحر بسفينة النظر والتأمل في طائفة من أعمال القلوب، التي ينشّطها الصيام، ويعيد إليها الحيوية والحركة والوجود:

فمنها: الإخلاص، وهو أعظمها وأجلّها، يقول الله –عزوجل- في الحديث القدسي: “كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصوم فإنه لي وأنه أجزي به”(1) ؛ فمع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها إلاّ أن معنى ذلك أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب. ولما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلاّ الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: “يدع شهوته من أجلي” وقال بعضهم: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقل أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم. فأعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أُضيفت إليهم، بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً؛ يعني في الصورة الظاهرة .

ومنها:التقوى وهي مقصود الصيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). [البقرة:183]. وهي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثاراً لرضاه. والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال”.

ومنها: اليقين، والصيام يعزز جانب اليقين في القلب، فهو يتذكر ذلك المقام العظيم الذي رتبه الله للصائمين كما في الحديث الصحيح: “في الجنة ثمانية أبواب, فيها باب يسمى الريان, لا يدخله إلاّ الصائمون”(2) . ولهذا صاموا وانشرحت نفوسهم لذلك تقرباً إلى الله وابتغاء الفوز بهذه المزية العظيمة.

ومنها: التوكل وحقيقته صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة وكِلَة الأمور كلها إليه، فالصائم يحقق توكّله على ربه باعتماده عليه أن يدخله الجنة وينجيه من النار، وعلى الرغم من شظف العيش وقلة ذات اليد فهو يبذل ويعطي، وهو متوكل على الله أنه سيرزقه، ويبارك له فيما أنفقه.

ومنها: الخوف والرجاء، والصائم يبتهل إلى الله ويناجيه، ويبكي بين يديه، ويدعو بصدق أن يعتق رقبته من النار. إن الصيام يزرع في قلبه خوف العذاب الأليم، ويحفز فيه عظم الرجاء في رحمة الله أن تدخله جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. إنهما جناحاه اللذان يطير بهما في فضاءات السمو والمجد.

ومنها: الرضا، وهو ثمرة من ثمار المحبة، وهو من أعلى مقامات المقربين ومستراح العارفين، ولهذا نجد رمضان يعزز جانب رضا العبد الصائم عن ربه سبحانه، وكذا رضاه تبارك وتعالى عن عبده؛ إذ يتحقق ذلك بأن يأتي العبد محبوبات الله، وينفذ أوامره ويبتعد عن نواهيه وزواجره ومكروهاته.

وإذا أفطر حمد الله، وسأل الله القبول والثواب الجزيل، فيتجلى الرضا كما قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها”(3) . ومنها: الشكر؛ إذ الوصول إلى موسم مضاعفة الدرجات والحسنات هو نعمة عظيمة وكبيرة، ولذا تجد المؤمن الفطن من يكثر لهجاً بلسانه شكراً لله سبحانه أن بلّغه هذا الموسم العظيم، ويسعى شكراً بجوارحه إلى استغلال أوقاته بالنافع المفيد، وشكراً بقلبه أن يجدد له هذه النعمة ويديمها عليه أعواماً عديدة وأزمنة مديدة.

ومنها: المجاهدة؛ فهو يجاهد نفسه على الصبر على شدة الصوم وتعبه؛ ويستحضر عظمة المجاهدة في سبيل أداء العبادة على الوجه الذي يرضاه سبحانه؛ (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). [العنكبوت:69] والثمرة الهداية إلى سبل الخير والرشاد.

ومنها: الصبر، والصابرون هم الصائمون في أكثر الأقوال. واستدل بأن الصوم هو الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال الله تعالى:(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ). [الزمر:10].

ومنها: أن رمضان فرصة كبيرة لتلاوة القرآن الكريم ومدارسته، وهذا الأمر كفيل بإحياء القلب الميت وانتقاله إلى درجة الإخبات والخشوع؛ “فإن لهذا القرآن لثقلاً وسلطاناً وأثراً مزلزلاً لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته. واللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني متفتحاً لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازاً ويرتجف ارتجافاً. ويقع فيه من التغيّرات والتحوّلات ما يمثله في عالم المادة فعل المغنطيس والكهرباء بالأجسام، أو أشدّ”.

وغير ذلك من الأعمال القلبية، وحسبي أنني ذكرت أبرزها وأهمها رغبة أن ننتبه لقلوبنا ولحياتها، ونتفقدها في لحظات صيامنا لنخرج من رمضان وقد امتلأت القلوب إخلاصاً، وتقوى، ويقيناً، وشكراً، وتوكلاً، وصبراً، ورضا، ومجاهدة، وإخباتاً، وخشوعاً، واستكانة لرب العالمين.

*هذا المقال نشر في الثلاثاء 18 رمضان 1430 الموافق 08 سبتمبر 2009 موقع الإسلام اليوم. (1) أخرجه أحمد 2/232(7174) و”مسلم” 3/158 و”النَّسَائي” 4/162

(2) “البُخَارِي” 3/32(1896)

(3) أخرجه أحمد (11996)و”مسلم” 7032 والترمذي” 1816 و”النسائي”، في “الكبرى” 6872

رابط مختصر
2017-05-27
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الإحاطة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

الإحاطة